الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

197

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

ومن هنا قال صاحب الحدائق : « وعندي في الحكم من أصله توقّف ، لعدم النصّ ، والتحريم والوجوب ونحوهما أحكام شرعية ، يتوقف القول بها على الدليل الشرعي ، ومجرّد هذه التعليلات الشائعة في كلامهم لا تصلح عندي لتأسيس الأحكام الشرعية » « 1 » . وذكر في مورد آخر في تفريعات المسألة : « لو كان الحكم المذكور منصوصا عليه والعلّة من النصّ ظاهرة ، لأمكن استنباط الأحكام من النصّ بما يناسب تلك العلّة ويناسب سياق النصّ ، وأمكن التفريع على ذلك بما يقتضيه الحال من ذلك النصّ ، وحيث أنّ الأمر ليس كذلك فهذه التفريعات والتخريجات كلّها إنّما هي من قبيل الرمي في الظلام » « 2 » . وكأنّ صاحب الجواهر قدّس سرّه ناظر إلى كلامه الأخير حيث يقول : « إنّه ربّما أساء الأدب مع الأصحاب الذين هم حفّاظ السنّة والكتّاب نسأل اللّه العفو عنّا وعنه » « 3 » وكأنّ صاحب الحدائق رحمه اللّه غفل عن أنّه قد لا يكون الحكم منصوصا بالخصوص ، ولكن تشمله الأدلّة العامّة الواردة في الكتاب والسنّة من العناوين الأوّلية والثانوية ، فكيف يمكن الإغماض عنها وعدم الفتوى بها ، مع أنّ هذا الموضوع من أشدّ ما يبتلى به في كلّ زمان ولا سيّما في زماننا ، وكيف كان فقد استدلّ له بأمور : أمّا من كتاب اللّه فبقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ « 4 » . وقوله تعالى : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ « 5 » . وقوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ « 6 » . وتفسير قول « الزور » بالكذب ، أو الغناء من قبيل التفسير بالمصداق الظاهر ، ولا يمنع عن عموم الحكم كما لا يخفى على الخبير بكلماتهم عليهم السّلام .

--> ( 1 ) . الحدائق ، ج 18 ، ص 141 . ( 2 ) . المصدر السابق ، ص 142 . ( 3 ) . جواهر الكلام ، ج 22 ، ص 57 . ( 4 ) . سورة لقمان ، الآية 6 . ( 5 ) . سورة الحجّ ، الآية 30 . ( 6 ) . سورة البقرة ، الآية 79 .